الشيخ محمد الصادقي
360
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
خيط واحد يخرج من فمه من لعابه ، إذا لامس الهواء جمد ، فيمتد فيه بعد تثبيت أحد طرفيه ولا يزال الطرف الآخر يغدوا ويجىء حتى يمسك بورقة أو غصن فتمر عليه العنكبوت ، وبذلك تسهل المواصلات وتنجو من الخطرات والمفاجآت « 1 » . ان العناكب - / ككل - / تنسج نسجها بمؤخر أرجلها دون حاجة إلى النظر بعينها فإذا قطعتَ خيطانها قبل الغروب ثم نظرتَ لها عند شروق الشمس في اليوم الثاني رأيتَ شبكتها منسوجة كما كانت ، وهى تأتى بِقطع صغيرة من الأحجار والخشب فتضعها على نسجها حفاظاً له من التكسر وإطاعة الرياح الهابَّة والأعاصير والزعازع ، وإنها تبحث عن صمغ وغراء من أماكنها في أشجارها وتلطِّخ بها خيطانها وشبكتها لتُكسبها لزوجةً فلا تتمزق إذا فاجأتها الرياح وهاجت عليها الأعاصير ، وإذا مر بها الذباب إلتقطته بمادتها اللزجة ولم يؤثر على الشبكة حركتها « 2 » ، ذلك طرف من اتقان العنكبوت في هندسة بيتها على أنه أوهن البيوت ، وضرب المثل هنا جاء من واجهة وهنه دون اتقانه ، وإذا كان أوهن البيوت المبنية بالغريزة الحيوانية بذلك الاتقان فكيف يكون - / اذاً - / أقوى البيوت ؟ « إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 42 ) وَتِلْكَ
--> ( 1 ) - / ومن ذلك ما حكى انه وضعت عنكبوت على عود في ماءٍ قريب من شاطىء جزيرة فنزلت من أعلى العود إلى أسفله فوجدت الماء محيطاً بها فرجعت إلى أعلى ثم اخذت تفكر في حيلة تهتدى بها إلى النجاة فغزلت خيطاً وأثبتت أحد طرفيه في رأس العود ولا زال الطرف يغدو ويروح حتى أمسكت بغصن من الشاطئ الآخر فسارت عليه حتى نجت سالمة . وهذا النوع البستاني من العناكب تنسج على الأغصان والأوراق شبكة عجيبة تقتنص بها الذباب وغيرها ، فتتخذ بها مركزاً تقيم فيه وتمد خيوطها إلى جميع الجوانب ، فشكل أطرافها محيط ذلك على الأوراق والأغصان ، وتلك الخيوط أقطارها والعنكبوت رسامها وغازلها وناسجها ومهندسها والصائد بها ، وما أشبه تلك الخيوط بأعمدة العجلة ( البسكليت ) فإذا حكمت تلك الأعمدة بخيوطها المجدولة اخذت العنكبوت تجدل خيوطاً أخرى فأدارتها على هذه وربطتها ربطاً وثيقاً محكماً عليها مع التناسب في الوضع والاحكام والهندسة بحيثترى بين كل خيطين من تلك الأعمدة وآخرين من الملتف عليها مسافات متساويات هندسية ومنها تكون شبكة للصيد عجيبة الصنع جميلة الوضع ، وهذه الشبكة قلدها الانسان في صيد السمك للقوت وفى صنع زينة منسوجة من الحرير منقوشة مرصّعة بالحلى اهتدى لها الانسان المتمدين بعد الآلاف من السنين تفتخر به الفتيات الأفرنجيات في اتقان الصنعة وحسنها ( تفسير الجواهر للشيخ الطنطاوي 14 : 143 - / 14 ) . ( 2 ) - / المصدر ناقلًا عن كتابه جمال العالم .